0 Shares

بنى تحتية غير كافية وغياب تام للخصوصية

انتظرت آية سعيد نحو 13 عاماً حتى توفرت لها فرصة تحقيق حلم طفولتها بممارسة رياضة الكاراتيه. العقبة الأولى كانت توفر صالة ألعاب رياضية تتيح ممارسة هذا النشاط للنساء فقط، وهي فرصة تحققت في 2019 بـ “مركز شباب الخطارة”، على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من سكنها، بعدما صار عمرها 25 عاماً.

عارض أهلها الفكرة في البداية لبعد المركز عن محل سكنها، واحتمالات تأخرها ليلاً، إضافة إلى “كبر سنها”، لكنها تمكنت من إقناعهم بسبب وجود مدربة، وتوفير الخصوصية للمتدربات في المركز.

وُلدت آية في قرية الشيخ علي التابعة لمركز دشنا بمحافظة قنا، وعاشت سنوات المراهقة في مدينة نقادة، حاضرة المركز، لكنها منذ حلمت بممارسة الكاراتيه لم تجد مكاناً تتوفر فيه شروط الخصوصية، رغم وجود مراكز قريبة من مدينة نقادة، تأسس بعضها منذ ما يزيد عن 20 عاماً. آية ليست استثناءً بين الفتيات المصريات.

و”مراكز الشباب” هي منشآت يعود بعضها إلى الخمسينات، تهدف إلى إتاحة الفرصة للمواطنين استغلال أوقات فراغهم في أنشطة مختلفة بمقابل مادي قليل مقارنة بالنوادي الرياضية الخاصة. ومنذ 2017 أخضعت هذه المراكز لقانون “الهيئات الشبابية” (رقم 218 لسنة 2017)، الذي نظم عملها وجعلها خاضعة لجهات إدارية تابعة لوزارة الشباب والرياضة، كما حظر رسمياً ممارسة اي نشاط سياسي أو حزبي فيها.

 

تمثل “مراكز الشباب” 85% من مجمل المنشآت الرياضية في البلاد، وبحسب تعريفها القانوني فإنها تستهدف الشباب في مراحل العمر المختلفة، ولكن البيانات التي جمعتها وقمت بتحليلها تثبت إهمال كثير من هذه المراكز لتوفير الشروط المناسبة لممارسة الأنشطة الرياضية الخاصة بالنساء، خصوصاً لمن تعدى عمرهن الثمانية عشر عاما، كآية.

مقابل كل امرأة تحصل على العضوية في مركز شباب في مصر يحصل 3 رجال على العضوية في المركز نفسه. هذه الحال لم تتغير تقريباً خلال 10 سنوات (2009-2018)، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. و5% فقط من مجمل العضوات مسجلات كلاعبات رياضيات (العضوة المسجلة في نشاط رياضي يقدمه المركز) عام 2009، أي واحدة من كل 20 مشتركة، وقد قلت هذه النسبة إلى 4% عام 2018.

اللافت أن البيانات المتاحة للفترة محل التحليل تعكس انخفاضاً في الفجوة بين أعداد الرجال وأعداد النساء الرياضيات، ولكن السبب هو انخفاض أعداد المنتسبين من الرجال، وليس ارتفاع المشاركة النسائية، وذلك بسبب أن  50% من “مراكز الشباب” تحتاج إلى تطوير، بحسب وزير الشباب والرياضة السابق خالد عبد العزيز.  ويقول الوزير الحالي أشرف صبحي إن الوزارة تعمل على رفع الكفاءة الإنشائية لمراكز الشباب ودعمها.

تظهر البيانات أن ندرة وجود نساء يمارسن الأنشطة الرياضية في مراكز الشباب حالة عابرة للمحافظات المصرية، حيث يمكن ملاحظة غيابهن الكامل عن هذه الأنشطة في نصف هذه المراكز ،تقريباً، خلال العام 2018. وهذا يشمل محافظات حضرية كالإسكندرية، والتي تشارك فيها النساء بمعدل 8 فقط من كل 10 آلاف امرأة وفتاة، وهو معدل مقارب لمحافظات في الدلتا كالغربية، وإقليم الصعيد كبني سويف. 

ويقل المعدل عن ذلك في محافظة قنا خلال العام نفسه، حيث تعيش آية، إلى لاعبتين من كل 10 آلاف امرأة وفتاة.

ساهم ضعف البنى التحتية لتلك المراكز وعدم توفيرها الخصوصية للإناث في عزوف الفتيات والنساء عن الانضمام إليها، فضلا عن عدم تقبل الأهالي لارتياد بناتهن هذه المراكز. هاجر نفسها التي تخرجت من كلية التربية الرياضية في 2018، وكان التدريب بـ “مركز شباب” الخطارة أول فرصة عمل لها، تلقت نصيحة من والدتها بألا تخبر أهالي القرية عن طبيعة عملها. 

ولكن وجود هاجر كمدربة في المركز كان مفتاحاً أساسياً لإقبال النساء والفتيات على التدريب، رغم العادات المحافظة التي تحكم مجتمعهن، وهو ما تؤكده بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن النشاط الرياضي.

يشير تحليل هذه البيانات إلى أن زيادة أعداد اللاعبات، أي العضوات المسجلات في أنشطة المراكز الرياضية وفرقها، ترتبط بزيادة أعداد المدربات، وذلك بحساب العلاقة الإحصائية بين أعداد ممارسات الرياضة والمدربات خلال الفترة من 2009 إلى 2018. تدعم هذه النتيجة عدة دراسات من جهات حكومية وغير حكومية، مثل رسالة الماجستير التي أعدتها الباحثة ياسمين الغزالي في الجامعة الأميركية بالقاهرة. والتي أوصت فيها بأن تتعاون المحليات مع المؤسسات التعليمة لخلق سبل لتمكين المدربات الشابات من العمل، وتلبية احتياجات النساء في ممارسة الرياضة، كخطوة نحو دمج الرياضة في حياة النساء المصريات، خاصة في الطبقات المتوسطة والدنيا من المجتمع.

إلا أن سونيا دنيا، رئيس الإدارة المركزية للتنمية الرياضية بوزارة الشباب والرياضة والمدير التنفيذي للجنة العليا للرياضة النسائية، تقول إن مجالس إدارة مراكز الشباب تعين مدربات بحسب الإقبال الموجود لديها بالفعل، حتى لا تتحمل ميزانياتها أعباءً إضافية.

وتشير البيانات إلى أن عنصر “الخصوصية” في البنية التحتية له الأولوية لدى النساء، لا سيما عندما يتعلق الأمر بغرف تغيير الملابس أو الحمامات على سبيل المثال. وبتحليل العلاقة بين أعداد اللاعبات ووضع البنى التحتية في مراكز الشباب عبر السنوات، يتضح أن وجود غرف الملابس يؤثر إيجاباً، وإن كان بشكل طفيف، على انتساب اللاعبات لـ “مراكز الشباب”. وذلك بحساب العلاقة الإحصائية بين أعداد الرياضيات وأعداد غرف تغيير الملابس خلال الفترة من 2009 إلى 2018، ويمكن تفسير “ضعف” هذه العلاقة من خلال العينة التي جمعها معد التحقيق إضافة للمقابلات التي تم إجراؤها.

فكثير من “مراكز الشباب” يستخدم غرفاً بديلة لتبديل الملابس كمكاتب الموظفين أو الحمامات. تقول هاجر إنها وفريقها كن يستخدمن غرفة خاصة بنشاط المركز لتبديل ملابسهن، فيما كانت ندى كامل، وهي اليوم عضو مجلس إدارة بمركز شباب جنوب محافظة القاهرة، تطلب من المتدربات الحضور سلفاً بالملابس الرياضية.

وأوصت دراسة ميدانية أجراها “مجلس السكان” بالتعاون مع الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء عام 2014، بتخصيص ساعات داخل هذه المنشآت للفتيات فقط لجذبهن لممارسة النشاط البدني.

هاجر على سبيل المثال، لولا توفر فرصة التدريب في مركز شباب الخطارة، وتوافر الخصوصية لها وللمتدربات، كان مصيرها الجلوس في المنزل. 

بدأت هاجر حياتها المهنية كمدربة بعدما ذهب خالها بنفسه للاطمئنان على توفر شروط الخصوصية في قاعة التدريب، وانفصالها الكامل عن أنشطة الذكور،  فكانت فرصة لا تتكرر كثيراً.

في بيانات للسنوات العشرة الاخيرة (2009-2018) نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن النشاط الرياضي، تظهر بيانات المدربين طبقاً للجنس بداية من العام 2012، أن أغلب المحافظات المصرية، شهدت تضاعفاً في أعداد المدربات والمساعدات التقنيات.

لكن وعلى رغم هذا التضاعف، فإن أعداد المدربات لا زالت أقل من أن تغطي كافة أو غالبية “مراكز الشباب” في المحافظات المصرية. سبع محافظات فقط تحظى بمدربة أو أكثر لكل مركز، وهي محافظات تضم أقل من مئتي “مركز شباب”. وندرة المدربات تعني قلة انتساب النساء مقابل الرجال، وهو واقع تتعامل معه كل من آية وهاجر اليوم. أما مدربات محترفات الآن كندى كامل، وفايزة حيدر، فقد عايشتا في طفولتهما تجارب أصعب خلال التسعينات.

في ذلك الوقت، كانت أعمار الفتاتين لا تتجاوز سبعة أعوام، وحاولتا إقناع إدارات عدد من النوادي و”مراكز الشباب” بمنطقة حلوان في القاهرة السماح لهما بلعب رياضة كرة القدم والتدرب عليها، وكانتا تقابلان بالرفض لعدم وجود فرق نسائية في هذه المنشآت.

تقول كامل إنها لعبت في “مركز شباب” شرق حلوان من دون عضوية رسمية، وهو المركز نفسه الذي شهد بداية مشوار حيدر الكروي. تنقلت الفتاتان في اللعبة بين العديد من الأندية وواجهتا الكثير من التنمر والرفض. لكن حيدر اليوم، مدربة كرة قدم معتمدة من الدوري الإنجليزي في عدة أندية وفي “مراكز شباب”، بينما كامل عضو مجلس إدارة بمركز شباب شرق حلوان.

ندى كامل، في مركز شباب  شرق حلوان

*تصوير – أحمد عبد الستار

حيدر كانت جزءاً من عدة مشاريع تمت بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة لزيادة أعداد لاعبات كرة القدم. أحد هذه المشاريع هو “ألف بنت.. ألف حلم”، المدعوم من الوزارة والمجلس الثقافي البريطاني، ويهدف الى تعليم الفتيات لعبة كرة القدم، وهذه تجربة تيقنت بعدها حيدر من إن وجود مدربة عامل أساسي لجذب النساء والفتيات للأنشطة الرياضية.

 وتقول “نذهب إلى المناطق التي تعاني من ضعف الأنشطة الرياضية، ونؤهل مدربة لتكون قادرة على تدريب الفتيات بمساعدة مدرب رجل، عندما يرى أولياء الأمور امرأة مع بناتهم يطمئنون”. وتشرح حيدر كيف إن أولياء الأمور الرافضين لممارسة بناتهم الرياضة من حيث المبدأ يتأثرون بوجود نماذج مثلها، وتقول إنها تتعمد عند ظهورها في وسائل الإعلام الحديث عن الصعوبات المادية التي واجهتها وعن نشأتها وسط 8 إخوة وعن نظرة المجتمع لها.

فايزة حيدر، مع فريق كرة القدم النسائي بمركز شباب نهضة شرق حلوان

*بإذن خاص من فايزة حيدر

وتضيف “عندما يرى الآباء والأمهات نماذج مثلي، أو ربما أفضل، تحافظ على عادات وتقاليد المجتمع وتحظى باحترام الجميع وتحقق نجاحات، يرغبون في أن تكون بناتهم مثلي”. وتشعر حيدر بالتفاؤل تجاه مستقبل كرة القدم النسائية في مصر، بفضل الجهود المبذولة منها ومن غيرها في إشراك مزيد من الفتيات في اللعبة، لكن على المستوى العام، تظهر البيانات أن الطريق ما زال طويلاً.

فعدم توفير “مراكز الشباب” فرصاً للفتيات والسيدات للتدرب على الأنشطة الرياضية المتنوعة ليس قصة من الماضي، كما أنها لا تقتصر على عادات المجتمع وتقاليده كما توضح بيانات عينة شملت أربع وخمسين “مركز شباب” عبر أربعة عشر محافظة مصرية تم اختيارها بشكل عشوائي لاختبار توفر الأنشطة الرياضية للنساء في مراكز الشباب.

اتصلت بهذه المراكز لأسأل عن إمكانية الاشتراك في أحد الأنشطة الرياضية للنساء، كبار (فوق 18 سنة)، نصف هذه المراكز على الأقل أخبرتني بأنها لا توفر نشاطاً رياضياً للنساء فوق 18 عاماً. بعض من هذه المراكز استغرب من السؤال نفسه لأنهم وجدوا الحديث عن مثل هذه الإنشطة أمرا غريبا على قراهم أو منطقتهم، وقال آخرون أنهم يفكرون في تكوين فرق رياضية نسائية مستقبلاً، أو إنهم سيقومون بتكوين فرق نسائية إذا بادرت مجموعة من النساء بالإعلان عن رغبتهن في ممارسة نوع من أنواع الرياضة.

يوضح محمد بيومي، خبير اللوائح الرياضية إن لمراكز الشباب مطلق الحرية في توجيه نشاطاتها الرياضية بحسب نوعية وعدد منتسبيها. ويقول “من الممكن أن يخصص مركز للنساء فقط، فيشارك في الأنشطة الرياضية النسائية فقط، هم أحرار”. وعلى الرغم من تلك “الحرية” وتوفر نشاط رياضي واحد على الأقل في هذه المراكز، إلا أنه لا يتم توجيه ولو نصفها على الأقل للنساء.

لا تنفي سونيا دنيا، عدم توجيه مراكز الشباب أنشطتها الرياضية للنساء، لكنها ترجع هذه القرارات إلى عادات وتقاليد المناطق التي تتواجد فيها هذه المراكز. تقول دنيا: “هناك عادات في بعض المناطق تمنع الفتاة من الخروج في سن 14 عاماً.. إذا خصصت هذه المراكز أنشطة للسيدات لن يحضرن”. إلا أن المراكز التي أخبرتنا بعدم توفر أنشطة للنساء فيها يقع  بعضها في مدن مصرية، وواحد منها كان في محافظة القاهرة.

في عام 2019، بعدما امتدت تجربة كل من هاجر وآية لعام كامل قررتا مغادرة مركز شباب الخطارة للبحث عن أماكن أقرب لسكنهما. وتسلمت هاجر تدريب فريق من الفتيات الصغيرات والنساء بقرية الطود وهي أقرب لقريتها من الخطارة، فيما بدأت آية تدريباً مع مدربة أخرى بنادي نقادة الرياضي.

تعكس تجارب هاجر وآية في محافظة قنا، وتجربة فايزة حيدر وندى كامل في محافظة القاهرة، أهمية “الخصوصية” لدى النساء المصريات في تحديد درجة إقبالهن أو عزوفهن عن ممارسة الرياضة. ولا يعود السبب للعادات والتقاليد فحسب، وإنما أيضاً بسبب تجارب سيئة تتعرض لها النساء خلال التدريب واللعب في مساحات مفتوحة أو مشتركة، من تنمر واعتراض من الرجال على وجودهن.

تقول ندى: “مثلاً أثناء تواجدنا بعد المباراة يقولون (الذكور) أنتن مكانكن المطبخ، وليس ملعب كرة القدم. لماذا؟ نحن مثلهم لدينا طبيبات و وزيرات ولدينا مهندسات، ما المشكلة؟!” تضيف ندى أن  تلك المواقف “السخيفة” ساهمت في وضع نهاية لمشوارها الكروي. فبسبب خجلها من الاستمرار باللعب أمام الذكور، وتعرضها المستمر لتنمرهم، وقلة دعم الكرة النسائية عموماً، كل ذلك دفعها إلى التوقف عن اللعب والانتقال الى التدريب لدى بلوغها التاسعة عشر من عمرها.

وفي عملها الحالي في “مركز شباب” شرق حلوان لايوجد مساحات مخصصة بالنساء، لكنها تستهدف أولياء الأمور ببعض الأفكار البسيطة التي شهدت قبولاً لديهم، كما نجحوا في تخصيص ساعات لتدريب فريق نسائي لكرة القدم، وآخر لكرة السلة، وآخر لكرة الطائرة.

من جهتها تروي ندى كيف تتعاون مع عناصر حماية الملعب على توفير المساحة لأولياء الأمور الذين يحضرون بناتهم وأبنائهم لتدريبات رياضية، فيقومون بالمشي أو الجري بدلاً من الجلوس للانتظار. وتقول “لأن غالبية المتدربات والعضوات في المركز يعرفوننا فهن يشعرن بالاطمئنان”. وبينما تحظى محافظات مثل أسيوط وبني سويف بملعب واحد على الأقل لكل “مركز شباب”، ومحافظات أخرى كالقاهرة بـ خمسة ملاعب لكل مركز أو ملعبين لكل مركز مثل الأقصر والسويس، إلا أن الملاعب لا تغطي عدد المراكز في محافظات أخرى، ككفر الشيخ والجيزة والغربية.

وفي المحافظات تقل أيضاً البنى التحتية الأخرى مثل غرف تبديل الملابس وحمامات السباحة، حيث تتوفر غرف الملابس بمعدل غرفة لكل مركز أو أكثر في 3 محافظات فقط، ولا تتوفر حمامات السباحة في كل محافظات الجمهورية. يؤثر هذا على المشتركين بشكل عام، لكنه يؤثر على المشتركات النساء بشكل خاص.

فمثلاً، في حال احتاج جميع اللاعبين في “مراكز الشباب” التدرب يومياً وتبديل الملابس، وبافتراض إتاحة غرف تبديل الملابس بالتساوي بين الجميع خلال اليوم الواحد، فمن بين كل مائة لاعب ولاعبة، سيكون نصيب الذكور من ساعات استخدام غرفة تبديل الملابس 7 أضعاف الوقت المتاح للإناث في غرفة تبديل الملابس.

وفي حالة ندى، فإن قلة توفر البنى التحتية المخصصة للنساء شكلت عائقاً أمام جذبهن خصوصا مع وجود بدائل تتمثل في النوادي الصحية في منطقة حلوان، لكن في محافظات أخرى مثل قنا، حيث تعيش هاجر، فإن التجهيزات وإن كانت غير مثالية لكنها ضمنت إقبالا جيدا نسبيا على المركز.

وهكذا، في “مركز شباب” الخطارة دربت هاجر الفتيات على أرضية من البلاط على سطح أحد مباني المركز، وهي ارضية غير مثالية بطبيعة الحال مقارنة بأرضية الملعب الذي تدربت فيه ب”نادي البراهمة الرياضي” وكان عبارة عن ملعب مدرسة ذات أرضية ترابية. تقول هاجر “كان المدرب يلتقط الطوب من تحت أرجلنا، كي لا نتعثر به لأننا كنا نلعب حفاة ولكنها (الترابية) تبقى أفضل في الحركة”.

وبينما ترى ندى إن توفر الموارد المادية عامل أساسي لجذب النساء لمراكز الشباب، فإن أعداد المراكز نفسها قد لا تستوفي حاجات السكان. فخلال عقد كامل (2009-2018)، لم ترتفع أعداد مراكز الشباب إلا بـ 95 مركز على عموم الأراضي المصرية.

بالنسبة للقاهرة فإن اعداد مراكز الشباب تراجعت خلال 10 سنوات (2009-2018) بنسبة 14% مقابل زيادة سكانية تبلغ 17%، وهو الحال نفسه في محافظة قنا التي اغلق فيها ثلاثة مراكز شباب خلال نفس الفترة، بينما زاد عدد سكانها 90 ألف نسمة تقريباً.

لا تعني هذه المقارنة مساواة التغير في أعداد المراكز بالتغير في أعداد السكان، لكنها مؤشر على وتيرة بناء المراكز في المحافظات المختلفة، وإلى أي مدى تحاول السلطات مسايرة حاجة المواطنين في هذه المناطق لممارسة الرياضة، خاصة وأن المادة 34 من قانون تنظيم الهيئات الشبابية، تنص على أن الدولة المصرية مسؤولة عن توفير المساحات اللازمة لإنشاء الهيئات الشبابية وفق خطة الدولة واحتياجاتها، سواء في الوحدات المحلية أو غيرها.

ومن ناحية أخرى، فإن وتيرة الزيادة في مصروفات الدولة على الأنشطة الرياضية ليست كبيرة، فقد زادت مصروفات الدولة في قطاع الشباب والثقافة والشؤون الدينية، والذي يضم الأنشطة الرياضية بنحو الثلث خلال آخر 5 سنوات مالية (من يوليو 2015 وحتى يونيو 2020)، وهي زيادة تبدو نظرياً كبيرة، لكن مع الوضع في الاعتبار عوامل مثل تعويم الجنيه المصري عام 2016، والذي نتج عنه فقدان العملة المصرية لنحو 57% من قيمتها أمام الدولار، إضافة للتضخم يجعل الزيادة في المصروفات أقل تأثيراً في جودة ما تقدمه هذه المراكز.

المصروفات تتضمن رواتب العاملين والمنح والدعم المقدم للمستحقين والاستثمارات والمشاريع، وهي مصروفات تحتاجها مراكز الشباب كالتي تساعد ندى كامل في إدارتها، وتحتاجها مشاريع كالتي تعمل فيها فايزة حيدر، إضافة إلى تطوير بنية المراكز التحتية، وهي مشكلة تقول سونيا دنيا إن الوزارة تعمل على حلها بإشراك القطاع الخاص في تطوير مراكز الشباب بطرحها للاستثمار.

بنيت هذه القصة على نتائج تحليل بيانات تقرير النشاط الرياضي، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في الفترة الزمنية من ٢٠٠٩ وحتى ٢٠١٨ والمتاحة على موقع الجهاز الإلكتروني. وقاعدة بيانات كونتها معدة التحقيق لعينة من مراكز الشباب تم اختيارها بطريقة عشوائية. تم جمع وتحليل البيانات خلال الفترة من ١ سبتمبر ٢٠٢٠ وحتى ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠.

أنجز هذا التحقيق ضمن مخرجات دبلوم صحافة البيانات بالشراكة مع ICFJ
وبدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)

Thank You

لا تفوت قصة

Tأفضل ما لدينا، رأسًا من إنفوتايمز

إلى بريدك الإلكتروني شهريًا.